سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )

166

خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )

معاوية بن أبيسفيان ، وهدده بأن يجتنب غطرسة هرقل وتعاظم الأكاسرة والقياصرة . ولم يكتف بما قاله بل أرسل معتمدا وبيده أمرا مبرما أن يشاطر كل عامل بمقتناه من ثروة ومتاع ، حتى أن ذلك المعتمد أخذ فردة نعل العامل وترك له الأخرى . « هذا درس عملي وعلني لملأ المسلمين - أفهم فيه الفاروق - الحاكم والمحكوم عدم سواغية الأثرة والاستطالة وعمل بذلك على محو دواعي الحسد من الصدور فعلا . فلننظر ماذا فعل عمر بن الخطاب بما صادره من أموال العمال ؟ وماذا صنع بمغانم كسرى وقيصر ؟ وماذا ظهر على تلك الخليفة من آثار عظمة الملوك والأمراء ، سواء كان في مسكنه أو ملبسه أو مأكله ؟ « ظهر عليه مع كل ما توفر لديه أن لباسه كان أحقر ما يلبسه الفقير في الأمة ( ومرقَّعيته مشهورة في تواريخ الأمم وأن فيها مع رقع الأقمشة رقعة من أدم ، أي من جلد ) . ( وأما مسكنه ) فكان يقضي سحابة يومه في سقيفة حقيرة يدخل إليها مطأطأ الرأس ، ينظر في شؤون الخلافة ويقضي وقت استراحته في البقيع - جبانة الأموات ! ( وأما مطعمه ) فكان خبز الشعير الغالب عليه ، بينما كان يطعم الأيتام والأرامل والمستضعفين من المهاجرين والأنصار خبز البُّرِّ والسمن والتمر وينيلهم كل ما كان مناله عزيزا إلا لأهل الثراء إذ ذاك . هكذا كان يشاركهم مع نعيم الأغنياء ولا يشترك معهم فيه ، فضلا عن بذل المال للمحتاجين وفرض الفروض لهم من بيت المال وإعطاء الجوائز لمن كان له أو لآبائه سابقة في الإسلام ، بعشرات الألوف ومئات الألوف كل على حسبه . « فأهل الإسلام مع تمحض سلطان الحرية فيهم ، لم يروا في سيرتي الصديق والفاروق - رضي الله عنهما - ما يدعوهم إلى أقل تذمر أو تململ أو تفكر بمناهضة لسلطانهما أو تألُّب على قلب أشكال حكمهما وإمرتهما أو إحداث شغب يعرقل مساعيهما في الفتوحات ، بل كانوا يبذلون النفس والنفيس في طاعة الخلفاء تأييدا لشوكة الإسلام وتعميما لعدل الشريعة السمحاء . هذا كان موقف الخلفاء وحال الأمة معهم ولذلك تجلى العدل المطلق في الأحكام والتزم الحكام للتقيد به قولا وعملا . وهكذا مضى زمن خلافة الفاروق وجاء زمن